ابن بسام

120

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

[ تلاعب ] [ 1 ] الرياح بأعطاف الغصون ، وبينه وبين أبي علي ابن رشيق ماج بحر البراعة ودام ، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام ، وذهبا من المناقضة مذهبا تنازعاه شرا طويلا ، وخلّداه ذكرا محمولا ، واحتملاه - إن لم يسمح اللّه - وزرا ثقيلا . وكان أبو عليّ أوسعهما نفسا ، وأقربهما ملتمسا ، ولابن شرف أصالة منزعه ، وجلالة [ 77 ] مقطعه ، ومتانة لفظه ، وسعة حفظه ، فتسمع بشعره ملآن من وعوعة وجعجعة ، ولكن ما أبعد ما يرومه وأبدعه ! وسال سيل فتنة القيروان ، اللاعب بأحرارها ، المعفّي على آثارها ، فتردّد على ملوك الطوائف بالأندلس ، بعد مقارعة أهوال ، ومباشرة خطوب طوال ، وقد نبت شفرته ، وطفئت جمرته . وقد قلت فيما تقدّم إنه انتحى منحى القسطلي [ 2 ] في شكوى الزمن ، والحديث عن الفتن . كان معه كمن تصدى الرّياح [ 3 ] بجناح ، وقابل الصباح بمصباح . واستقرّ أخيرا عند المأمون بن ذي النّون ، فعليه خلع آخر لبوسه ، ونثر بقيّة كيسه . وكانت لعبّاد همّة في اصطحاب الأحرار ، واستجلاب ذوي الأخطار ، ينصب لذلك الحبائل ، ويعمل فيه الحقّ والباطل ، حتى إذا عشوا إلى سرجه ، واغترّوا بزبرجه ، سامهم ردّ أبي قبيس [ 4 ] على أبيه ، وأخذهم / بالسعاية بين الفرقد وأخيه ، فمن أعياه منهم ركوب الصّعاب ، وعضّه التّقلّب بين المضايق والرّحاب ، عزّه في الخطاب ، وأطاع به سلطان الارتياب ، أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ( النحل : 59 ) وقد ذكرت في أخبار ابن عبد البرّ الكاتب [ 5 ] أنه انسلّ من يد عبّاد انسلال الطّيف ، ونجا منه واسأله كيف . وكان ابن شرف هذا ممّن فهم منحاه ، وصمّ عن رقاه ، فلم يجتمع مع عباد في صعيد ، ولا أهدى له السلام [ 6 ] إلّا من بعيد . وستأتي أخباره معه ومع سواه ، محرّرة النقد ، مقدّرة السرد . ولأبي عبد اللّه عدّة تواليف [ 7 ] أفاضها بحارا ، وأطلعها شموسا وأقمارا ، منها كتابه

--> [ 1 ] زيادة من المسالك ومعالم الإيمان . [ 2 ] يعني ابن دراج ، انظر القسم الأول : 59 . [ 3 ] المسالك : للرياح . [ 4 ] كذلك هو أيضا في المسالك ، والأصوب أن يكون بحذف « أبي » . [ 5 ] انظر القسم الثالث : 125 وما بعدها . [ 6 ] المسالك : ولا سلم عليه . [ 7 ] يستفاد من كلام ياقوت ( 19 : 43 ) أن أبكار الأفكار يحتوي مختارات من شعر ابن شرف مع أن ابن بسام سيورد قول ابن شرف ( ص 179 ) أنه يحتوي على مائة نوع من مواعظ وأمثال وحكايات قصار وطوال . وأن أعلام الكلام فيه فوائد لطائف وملح منتخبة ، وأن رسالة الانتقاد مقامة نقدية . وذكرت له المصادر مؤلفات أخرى منها : رسالة ساجور الكلب ورسالة نجح الطلب ورسالة قطع الأنفاس وغير ذلك ( انظر الوافي والفوات ) .